السبت، 1 مايو، 2010

التعددية الـفـكـريـة سمة التيار الوطني

"نحن حركة سياسية إصلاحية تحترم دستور 62 و تعتقد أنه يمثل بداية معقولة للإصلاح السياسي و الإقتصادي في الكويت" د.أحمد الخطيب.



تنفرد التيارات الوطنية بدعوتها للعدالة و المساواة بغض النظر عن إختلافات الدين أو الجنس أو اللون أو العرق ، و تتميز أيضاً التيارات الوطنية في احتوائها لجميع مكونات الوطن و فئاته .. مما يجعلها - أي التيارات الوطنية - قالباً متنوعاً ليس لديه أي مشكلة مع التعددية بشتى أنواعها ( الدينية - العرقية - الفكرية ) بل يتعامل معها كأحد صور المساواة التي يتبناها و ينادي بتطبيقها.

و لعل الأفكار و الإيدلوجيات أهم ما في عالم السياسة ، فالدول لا تسير إلا بنظام سياسي واضح المعالم فكرياً ، و التيارات السياسية لا تقوم إلا بمنطلقات فكرية ترجع إليها و تسرتشد بها. التيار الوطني بالكويت يشهد التاريخ عليه بأنه قالب سياسي يحوي على إيدلوجيات مختلفة و متنوعة تنتهج النهج الدستوري.


و لإزالة اللبس و الخطأ الذي يقع فيه الكثيرين في وصفهم بأن التيار الوطني تياراً ليبرالياً أو شيوعياً أو قومياً !! لابد من استعراض مسيرة التيار الوطني و المنعطفات الهامة بتاريخه لإلقاء الضوء على تحركاته و مدى تقاربها للأفكار السياسية.

نستطيع القول أن الحركة الإصلاحية الوطنية التي ظهرت عام 1938 ( رغم التحفظات الكثيرة عليها ) كانت ذات نزعة قومي و مطالبات ليبرالية تمثلت في المطالبة بحياة دستورية و ديمقراطية في البلاد ، و في مؤسسة نيابية للشعب ( مؤسسة ليبرالية كما جاء في الوثائق البريطانية ).


برزت القضية الفلسطينية على السطح العربي ، فدب معها النشاط السياسي و تبعه الفكري مرة أخرى في الكويت التي باتت مجمعاً لشتى الأفكار و التيارات السياسية.. كان هناك الأخوان المسلمين و حزب التحرير الإسلامي و الشيوعيين و القوميين العرب و البعث الإشتراكي.
تمخضت هذه الصحوة السياسية في الكويت بإستقلال البلاد و وضع دستوراً لها شارك الشعب في صياغته. فإزدادت وتيرة نشاط التيارات الفكرية بالحياة السياسية الجديدة.


كان يمثل التيار الوطني في المجلس التأسيسي و مجلس الأمة في الستينيات القوميين العرب و بعض العناصر الوطنية المستقلة ، و قد حاولت بعض العناصر البعثية خوض الانتخابات لكن محاولتهم بالظفر بأحد المقاعد النيابية باءت بالفشل. جاءت نكسة 67 فإنتكست معها التيارات الوطنية العروبية أجمع! اجتمعت قيادة حركة القوميين العرب في اجتماع سري لها في دبي عام 1968 فقررت إتخاذ الماركسية اللينينية منهجية فكرية لها بعد ما كانت الحركة تحاربها بشدة .. أثار ذلك حفيظة فرع الكويت فوصفوا الماركسية بأنها مجرد بحث فلسفي وقالوا في الاجتماع "ماذا فعلت الأحزاب الشيوعية في الوحدة العربية و الآن ما الفرق بيننا و بينها؟" رفض فرع الكويت هذا القرار و غيره من القرارات الثورية ، فتم تجميد فرع الكويت من قبل قيادة الحركة إزاء هذا الرفض و تعيين فيما بعد فرع آخر له ترأسه عدة شبان أبرزهم كان المرحوم د.أحمد الربعي و أحمد الديين و عبداللطيف الدعيج .. الذين اسسوا هم و غيرهم الحركة الثورية الشعبية ( حزب إتحاد الشعب ) ذات الإيدلوجية الشيوعية الماركسية.



كان هذا الانقسام الفكري الأول للتيار الوطني حتى جاءت مبادرة روجرز لتكرس الانقسام الفكري الثاني ، و قبل الخوض فيما حدث بعد هذه المبادرة علينا التوضيح من أن حركة القوميين العرب كانت حليفة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر للإلتقاء بينهما لعدة نواح أهمها الوحدة العربية الإشتراكية و القضية الفلسطينية فكان عبدالناصر يحضر جميع اجتماعات الحركة ، و كان د.أحمد الخطيب ممثل فرع القوميين العرب في الكويت و الخليج - قبل تجميده - لذلك كانت لديه علاقة قوية و حميمة مع جمال عبدالناصر .. حتى قال ذات مرة الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود "اثنان لهم معزة و مكانة خاصة في قلب عبدالناصر ، كمال جنبلاط و أحمد الخطيب".

جاءت مبادرة روجرز الأمريكية التي قبلها جمال عبدالناصر فكتبت حينها جريدة الطليعة افتتاحية قوية هاجمت فيها عبدالناصر معبرة فيها عن رفضها لموقفه ، فظهر الإنقسام بين د.أحمد الخطيب و جاسم القطامي ، فأسس جاسم القطامي التجمع الوطني "ذو النهج الناصري" و أقام أحمد الخطيب حركة التقدميين الديمقراطيين الكويتيين "اليسارية" و كان الاختلاف بينهما واضحاً في انتخابات نادي الاستقلال و خوض انتخابات 71.




صدر قرار من المغفور له أمير البلاد السابق الشيخ صباح السالم بحل مجلس 75 حلاً غير دستوري. و كان التيار الوطني يعاني من تشرذم فكري و تنظيمي مقابل تحالف يزداد يوماً بعد يوم بين قوى الفساد و التيار الديني ، فكان هذا الحل رب ضارة نافعة و لحظة التئام الشمل .. البداية كانت في جامعة الكويت حيث اندمجت قائمة "الوسط الطلابي" المقربة من الناصريين بالقائمة "الطلابية الديمقراطية" المقربة من اليساريين و الماركسيين مكونين بذلك قائمة الوسط الديمقراطي. و بعد ذلك ظهر التجمع الديمقراطي الذي ضم كل الأطراف السياسية الفكرية المختلفة من التيار الوطني كالناصريين و التقدميين و الشيوعيين و البعثيين و باقي المستقلين الوطنيين ، و كان هدف هذا التجمع لم شمل التيار الوطني للمطالبة بعودة الحياة الدستورية الديمقراطية و العمل بدستور 62.

استمر هذا التجمع و انخرط بالحركة الدستورية "حد" بعد الحل الغير دستوري عام 86 ، و بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي الصدامي اعلن عن ولادة المنبر الديمقراطي عام 1992 الذي احتوى القوى اليسارية و الإشتراكية القومية ( التقدميين - الشيوعيين الماركسيين - الناصريين ) و بعض العناصر التقدمية الوطنية المستقلة .. أما البعث الكويتي فمات سياسياً مباشرة بعد الغزو بإستشهاد فيصل الصانع - ممثل البعث في الكويت - حيث قام الشهيد بتبدية الوطنية على الحزبية برفضه الخنوع لغزاة النظام العراقي البعثي البائد.

تحولت الحركات الوطنية في الكويت بعد التحرير من قومية إلى إقليمية بعد تخاذل بعض الدول العربية - أبرزها فلسطين - عن نصرة الكويت و وقوفها بصف النظام العراقي البائد مما أثر في الشعب الكويتي .. و للتيار القومي صولات و جولات مع التيار الإقليمي ، فالتيار الأخير يرى أن الكويت للكويتيين و أن القضايا الكويتية أولوية تأتي بعدها القضايا العربية. لكن التيار القومي يرى عكس ذلك و أن الكويت بلاد العرب و القضايا العربية بمصاف القضايا الكويتية ، و قد كان نادي المعلمين نموذجاً لهذا الاختلاف.

في عام 1997 اعلن عن ولادة تنظيم سياسي وطني ذو نهج ليبرالي لأول مرة ، كان ذلك التجمع الوطني الديمقراطي برئاسة د.أحمد بشارة. و في عام 2002 تأسس التحالف الوطني الديمقراطي من قبل شباب قائمة "الوحدة الطلابية" - التي تخوض انتخابات اتحاد الطلبة في أمريكا - و بعض العناصر الوطنية بدعم من رموز العمل الوطني القومي كالدكتور أحمد الخطيب ، ليكون التحالف مظلة جامعة للقوى و الكتل الوطنية كالمنبر الديمقراطي و التجمع الوطني الديمقراطي.
و اليوم في مناقشة قانون "الخصخصة" برز الاختلاف و التنوع الفكري من جديد في التيار الوطني بين اشتراكي رافض للخصخصة، و بين ليبرالي مؤيداً لها .. هكذا كان التيار الوطني و لازال ، قالب متنوع يضم كل إصلاحي و كل من يحترم الدستور و يعمل به مهما كان فكره أو حراكه السياسي.